ابن عجيبة
305
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ذلك ، فلذلك قال تعالى : وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ، أي : باللّه وصفاته وأسمائه ، وبمواقع كلامه وحكمه ، أي : لا يعقل صحتها وحسنها ، ولا يفهم حكمتها ، إلا هم ؛ لأن الأمثال والتشبيهات إنما هي طرق إلى المعاني المستورة ، حتى يبرزها ويصورها للأفهام ، كما صور هذا التشبيه الذي بيّن فيه حال المشرك وحال المؤمن . وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه تلا هذه الآية ، وقال : « العالم : من عقل عن اللّه ، فعمل بطاعته ، واجتنب سخطه » « 1 » ، ودلّت هذه الآية على فضل العلم وأهله . خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ أي : محقا ، لم يخلقها عبثا ، كما لم يضرب الأمثال عبثا ، بل خلقها لحكمة ، وهي أن تكون مساكن عباده ، وعبرة للمعتبرين منهم ، ودلائل على عظم قدرته ، بدليل قوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ؛ لأنهم هم المنتفعون بها . وقيل : بالحق : العدل ، وقيل : بكلامه وقدرته ، وذلك هو الحق الذي خلق به الأشياء . وخص السماوات والأرض ؛ لأنها المشهودات . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : من اعتمد على غير اللّه ، أو مال بالمحبة إلى شئ سواه ، كان كمن اعتمد على خيط العنكبوت ، فعن قريب يذهب ويفوت ، يا من تعلق بمن يموت ؛ قد تمسّكت بأضعف من خيط العنكبوت . تنبيه : الأشياء الحسية جعل اللّه فيها القوى والضعيف ، والعزيز والذليل ، والفقير والغنى ؛ لحكمة ، وأما أسرار المعاني القائمة بها ؛ فكلها قوية عزيزة غنية ، فالأشياء ، بهذا الاعتبار - أعنى : النظر لحسها ومعناها - كلها قوية في ضعفها ، عزيزة في ذلها ، غنية في فقرها . ولذلك تجد الحق تعالى يدفع بأضعف شئ أقوى شئ ، وينصر بأذل شئ على أقوى شئ . روى أنه لما نزل قوله تعالى : وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ؛ شكى العنكبوت إلى اللّه تعالى ، وقال : ربّ خلقتني ضعيفا ، ووصفتني بالإهانة والضعف ، فأوحى اللّه تعالى إليه : انكسر قلبك من قولنا ، ونحن عند المنكسرة قلوبهم من أجلنا ، وقد صددنا بنسجك الضعيف صناديد قريش ، وأغنينا محمدا عن كل ركن كثيف ، فقال : يا رب حسبي أن خلقت في ذلى عزتي ، وفي إهانتي قوتى . ه . ذكره في اللباب . ثم أمره بالاشتغال بالتلاوة والصلاة ؛ تسلية وغيبة عمن آذاه ، فقال : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : آية 45 ] اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ( 45 )
--> ( 1 ) قال المناوي في الفتح السماوي ( 2 / 896 ) : « رواه داود بن المحبر في كتاب العقل ، ومن طريقه الحارث بن أبي أسامة في مسنده ، والثعلبي ، والواحدي ، والبغوي - في التفسير ( 6 / 243 ) - من حديث جابر . وأورده ابن الجوزي في الموضوعات ، وكتاب العقل ، لداود ، كله موضوع ، وانظر أيضا : تنزيه الشريعة ، لابن عراق ( 1 / 214 ) .